علوم اللسان العربي

مذاكرات الإخوان

الإشارات الأسلوبية عند الجرجاني

بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا

 

الإشارات الأسلوبية عند عبد القاهر الجــــــــــــــرجاني

 

   الأسلوبية مصطلح ظهر في العصر الحديث ، يدع ما يحيط بالنص ، ويلج إلى داخــــل مكنوناته، وعناصره الجوهرية ، وذلك للوصول إلى فهم أعمق لحقيقة النص من خلال دراسة اللغة عبر الانزياحات اللغوية والبلاغية ، فأمام المتحدث أو الكاتب مادة لغوية ضخمة ومتعددة يتكلم بها ويكتب فيها ، فاختياره للكلمات والتراكيب مما يؤثره عما سواها لأنه يجد فيها أكثر تعبيراً عن أفكاره ورؤاه ، وأعمق تأثيراً في المتلقي ، فالأسلوبية كيفية القول أو الطريقة التي استخدمت فيها اللغة ، ومدى الأثر الذي تركته في المتلقي. وفي تراثنا تظهر ملامح الأسلوبية ، وبداية من خلال التعريف المتداول للبلاغة بأنها " مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته " فمقتضى الحال يدل على تعدد وتنوع في الأساليب المستخدمة بين الملقي والمتلقي ، بمراعاة وضع المتلقي الثقافي والاجتماعي وحالته الصحية والنفسية وغير ذلك ، مع الأخذ بعين الاعتبار المناسبة التي يقال فيها ، أي مراعاة أدق الجزئيات حتى أن العرب قالت " لكل مقام مقال" . إذاً فالأسلوبية والبلاغة تنظران بأن في اللغة طرقاً متعددة للتعبير والقائل أو الكاتب يختار منها ما يراه مناسباً ومودياً للغرض الذي قيل من أجله.

   و مما يكاد يجمع عليه الدارسون أنه مما يتصل بالأسلوبية الحديثة في تراثنا البلاغي نظرية النظم ، التي فصل الحديث فيها الإمام عبد القاهر الجرجاني ، وذلك من خلال دراسته للنحو دراسة جديدة ، لا تقوم على الإعراب كما يفعل الآخرون ، بل نظر إليه نظرة جديدة من حيث التقديم و التأخير، التعريف و التنكير ، وغير ذلك من تغيير في التركيب يتبعه طريقة جديدة في التعبير، أي أسلوب جديد " فالجملة الواحدة تنتقل من ضرب إلى ضرب" . من إنشاء إلى خبر أو العكس ومن استفهام إلى تعجب وغير ذلك . فتراثنا فيه من الإشارت والنظرات وبعض الدراسات مما يشكل نواة لأسلوبية عربية ، وبذلك فالذهنية العربية متشبعة بروح التطبيق ، والنص عندهم مصدر حركة في التحليل والتأويل لا ينقطع ومعين لا ينضب ، فأهل العربية أصحاب تطبيق لا تنظير فالإطار التطبيقي في الأسلوبية  العربية واسع رحب ثري خصب .

من هو عبد القاهر و ما نظرته للأسلوب و ما إشاراته فيه :

   إنه عبد القاهر، أبو بكر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني، فارسي الأصل، جرجاني الدار، ولد في جرجان وعاش فيها دون أن ينتقل إلى غيرها حتى توفي سنة 471 ه. لا نعرف تاريخ ولادته، لأنه نشأ فقيراً، في أسرة رقيقة الحال، ولهذا أيضا، لم يجد فضلة من مال تمكنه من أخذ العلم خارج مدينته جرجان، على الرغم من ظهور ولعه المبكر بالعلم والنحو والأدب. وقد عوضه الله عن ذلك بعالمين كبيرين كانا يعيشان في جرجان هما: أبو الحسين بن الحسن بن عبدالوارث الفارسي النحوي، نزيل جرجان، وأبو الحسن القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني، قاضي جرجان من قبل الصاحب بن عبّاد.
   وقد أخذ العلم عن خاله الشيخ أبي علي الفارسي كما أخذ الأدب على يد القاضي الجرجاني وقرأ كتابهالوساطة بين المتنبي وخصومه”. والى ذلك يشير ياقوت فيقول: “وكان الشيخ عبدالقاهر الجرجاني قد قرأ عليه، واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به، وشمخ بأنفه بالانتماء إليه” ( معجم الأدباء: 14/16(
   وتتلمذ عبد القاهر على آثار الشيوخ والعلماء الذين أنجبتهم العربية، فنحن نراه في كتبه ينقل عن سيبويه والجاحظ وأبي علي الفارسي وابن قتيبة وقدامة بن جعفر والامدي والقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري وأبي احمد العسكري وعبدالرحمن بن عيسى الهمداني والمرزباني والزجاج.
   وقد ترك عبد القاهر الجرجاني آثاراً مهمة في الشعر والأدب والنحو وعلوم القرآن. من ذلك ديوان في الشعر وكتب عدة في النحو والصرف نذكر منها كتاب “الإيضاح في النحو” وكتابالجمل”، أما في الأدب وعلوم القرآن فكان له “إعجاز القرآن" و”الرسالة الشافية في الإعجاز” و”دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة” وقد أورد في كتابيه الأخيرين، معظم آرائه في علوم البلاغة العربية.
   أخذ النحو بجرجان عن أبي الحسين محمد بن حسن بن أخت الأستاذ أبي علي الفارسي .
وصنف شرحا حافلا "للإيضاح" يكون ثلاثين مجلدا , وله "إعجاز القرآن" ضخم , و "مختصر شرح الإيضاح" , ثلاثة أسفار , وكتاب "العوامل المائة" وكتاب "المفتاح" , وفسر الفاتحة في مجلد , وله "العمد في التصريف" , و "الجمل" , وغير ذلك .
   وكان شافعيا , عالما , أشعريا , ذا نسك ودين .
   قال السلفي : كان ورعا قانعا , دخل عليه لص , فأخذ ما وجد , وهو ينظر , وهو في الصلاة فما قطعها . وكان آية في النحو .
توفي سنة إحدى وسبعين وأربع مائة وقيل : سنة أربع وسبعين -رحمه الله .

   عند قراءة ترجمة هذا العالم العظيم، تستوقف القارئ لها سطر ملفت للنظر لأنه فعلاً يبعث على العجب، وذلك قول من ترجم له: (ولد في مدينة جرجان وعاش فيها ولم يغادرها طوال حياته). نعم جرجان، وليست بغداد ولا دمشق ولا قرطبة ولا القاهرة، جرجان، تلك المدينة النائية التي تقع في أقصى خراسان قرب بحر قزوين، ولهذا الأمر دلالات كثيرة وعبر وعظيمة.
   من ذلك أن هذا العالم الجليل ما كان ليبلغ ما بلغه من العلم إلا أن يأخذه عن علماء كبار، فعلوم اللغة لا تأتي إلا بالتلقي والمشافهة، والمدارسة والمناقشة، أي أن مدينته الصغيرة النائية كان فيها من العلماء والمدارس وحلقات العلم ما يكفي لأن يبزغ فيها نجم عالم بوزن عبد القاهر رحمه الله تعالى، ولو قرأنا سيرة أي عالم من علماء المناطق النائية في بلادنا العربية اليوم لوجدنا أنه درس الابتدائية في قريته، ثم الإعدادية الثانوية في المدينة التي تتبع لها قريته،والتحق بالجامعة في العاصمة، ثم سافر إلى خارج البلاد للدراسات العليا والحصول على الدكتوراه!.
   ومن دلالات هذا الأمر أيضاً، أن نشر علم الجرجاني خارج بلدته النائية قد تم في عصر لم تكن فيه أية وسيلة من وسائل الإعلام المعروفة اليوم، فلم يكن هناك إذاعات أو محطات فضائية أو مواقع شبكية أو مدونات على الشبكة العالمية، وكانت مدونة عبد القاهر الوحيدة هي أوراقه الصفراء السميكة، ولكنها كانت كفيلة بأن ينتشر علمه ويطبق الآفاق.

الجرجاني و الأسلوب:

   نجده يساوي بين الأسلوب والنظم، لأن الأسلوب عنده لا ينفصل عن رؤيته للنظم، بل نجده يماثل بينهما من حيث أنهما يشكلان تنوعاً لغوياً خاصاً بكل مبدع يصدر عن وعي واختيار، ومن ثم يذهب عبد القاهر إلى أن الأسلوب ضرب من النظم وطريقة فيه.‏
إذا كان الأسلوب ـ كذلك ـ يجب أن يتوخى فيه المبدع اللفظ لمقتضى التفرد الذاتيّ في انتقاء اللغة عن وعي وذلك بمراعاة حال المخاطب، فإن الجرجاني قد أضاف أصلاً أصيلاً إلى نظرية الأسلوب في البلاغة العربية القديمة، إذ جعل الأسلوب يقوم على الأصول العربية وقواعدها، فالنظم يمتنع معنى إذا لم ينضبط بالنحو، وذلك ما أسس له الجرجاني في دلائل الإعجاز بقوله: ((واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ منها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها))، وبذلك جعل عبد القاهر الجرجاني من النحو قاعدة لكل نظم، لا باعتباره أداة أسلوب ينتظم بها التركيب في نسقه الإعرابي العام، وإنما جعل منه ـ كذلك ـ مستفتحاً لما استغلق من المعنى؛ إذ الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب مفتاحاً لها، و((أن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه؛ والمقياس الذي لا يعرف صحيحاً من سقيم حتى يرجع إليه ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه))، فإذا أدرك المبدع ذلك استقام له الأسلوب وأتاه أنى شاء.‏
   وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد أكد ضرورة التزام النحو في مفهوم النظم، فإنه قد تشدد في ضرورة النسج على طريقة مخصوصة تميز شاعراً عن شاعر آخر، وبذلك نجد أن عبد القاهر الجرجاني يميز الأسلوب بتميز صاحبه في نظمه عن غيره من أهل النظم والأدب، ومن ثم نلاحظ أن هذه النظرة لا تخرج عن نظريته في النظم التي يؤكد فيها التزام معاني النحو في التأليف، وذلك من خلال تأكيد توفر محاسن الكلام في ترتيب المعاني في النفس بطريقة خاصة؛ وحسب مقتضى الحال حتى يحصل التجانس.‏
   إن مفهوم الإعراب عند الجرجاني لا ينتهي فيه إلى مفهوم الموقع من الجملة أو نسبته من الجملة من سابقه أو لا حقه رفعاً أو نصباً أو جراً، وإنما يتعداه إلى المفهوم الدلالي الذي تقتضيه فصاحة المخاطب ونبـــاهة البليغ، ومن ثم نجده لا يقف في نظرته إلى الإعراب عند المظاهر الشكلية التي أسس لها الإعراب لاحقاً فـي الاهتمام بالقواعد الإعرابية، بل ينظر إلى الإعراب لا على أنه علم يحذق فيه صاحبه علم الحركات، بل على أنه علم يقصد فيه التأسيس لفهم يساعد على إدراك معنى المعنى.‏
   و لا شك في أن قيام النظم عند الجرجاني بتوخي معاني النحو يوجب حضوراً عقلـــياً واستعمــالاً منطقياً للغة؛ ولهذا يقوم الإبداع عنده على جملة من المراحل الواعية، ينتظمها الأسلوب الفني بدءاً من الذهن وتصوراته في المعنى والمبنى، إلى مرحلة مخاطبة المتلقي، وهنا يلزم أن يراعي الشاعر حالة المخاطب لأن النظم يقوم على الروية والتفكير، وهذا انطلاقاً من الرؤية المؤسسة على أن النظم يقوم أولاً على استحضار الفكرة أولاً، ثم التمثل والنطق ثانياً، والاعتبار يكون بحال واضع للكلام.‏
   
فالترتيب الذهني والإخراج الفني المراعي لمقتضى الحال من دواعي قوة الأسلوب، ورصانته وبلاغته وجزالته، وليس الشأن في اللفظ حَسُنَ أو قَبُحَ، بل المفاضلة بين الألفاظ خارج سياق الكلام، وهذا ما جنح إليه الجرجاني، ولعله ـ هنا ـ خالف سابقيه المعتقدين بفصاحة اللفظة المفردة وجمالها، وسبقَ لاحقيه وبخاصة الطرح الألسني البُنوي المعاصر، الذي يذهب إلى الاعتقاد بأن جمال اللفظة لا يكون إلا في نظامها، وبذلك يتجلى لنا طرح الجرجاني وهو يناقش مسألة النظم في أن الأسلوب يقوم على توخي معاني النحو، لأننا في طلبها نطلب الجمال في الأسلوب والتفرد في الصياغة والقوة في الصناعة.‏

   تتعمق النظرة إلى الأسلوب في التراث البلاغي مع أطروحات عبد القاهر الجرجاني ؛ إذ نجده يساوي بين الأسلوب والنظم، لأن الأسلوب عنده لا ينفصل عن رؤيته للنظم، بل نجده يماثل بينهما من حيث أنهما يشكلان تنوعاً لغوياً خاصاً بكل مبدع يصدر عن وعي واختيار، ومن ثم يذهب عبد القاهر إلى أن الأسلوب ضرب من النظم وطريقة فيه.‏

   

 

     مفردات و مفاهيم أسلوبية عند الجرجاني :

الغموض : والغموض المعني هنا هو ما شدك إلى حوار معه، واستفز مشاعرك وعقلك من خلال غموض عباراته وصوره وموسيقاه، إذ يتجسد الغموض في ثراء النص الابداعي، وتعدد دلالاته وقراءاته، مما يخلق نوعاً من اللذة الحسية والذهنية تجاه خبايا النص واللامتوقع أو اللامنتظر في صوره وجمالياته الفنية. وهذه الحال تخلق نوعاً من التواصل والألفة بين النص والقارئ الذي يتلقى النص، ويشعر أنه بحاجة إليه مهما كان غامضاً ليطفئ من خلاله لهيب مشاعره، وطموحه الذهني.

  ولذا، فإن الغموض له دلالتان: دلالة جمالية يكون الغموض بموجبها فنا، ودلالة لغوية يكون فيها إبهاماً وتعمية. وبهذا المفهوم يشكل الغموض ظاهرة فنية مرتبطة بالفن الإنساني، وبالفنان المبدع، مما يجعل المتلقي لهذا العمل الفني بحاجة حسية وفكرية ماسة من أجل فك رموز العمل الفني، وتفسير دلالاته، وتحديد قراءاته، لكي يقف المتلقي على طبيعة العمل الفني وجوهره، وهذه الحال تشكل قمة اللذة الحسية والذهنية عند المتلقي، كما أنها تجسد غاية المبدع وهدفه، وهــذا هـو سر النص الابداعي، وجوهر وجوده.

فقد استخدم عبدالقاهر الجرجاني مصطلح الغموض من خلال الإشارة إليه مباشرة أو من خلال تسميات تدل عليه مثل التوسع، والغرابة، ومعنى المعنى، حيث بين عبدالقاهر الجرجاني أن الغموض يكمن في المعنى الثاني أو المستوى الفني المتمثل في العمل الأدبي سواء أكان نثراً أو شعراً. يقول: "الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج على الحقيقة فقلت خرج زيد. وبالانطلاق عن عمرو فقلت: عمرو منطلق: وعلى هذا القياس. وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل".

   وفي ضوء ما سبق، فقد استقر مصطلح الغموض بتسمياته المختلفة عند عبدالقاهر الجرجاني، وأصبح يجسد المستوى الفني للعمل الابداعي، بوصفه جوهر الشعر وأساسه.

   وأما حضور مصطلح الغموض في النقد المعاصر، فيرجع الفضل فيه إلى الناقد والشاعر الإنجليزي وليام امبسون (William Empson – 1906) في كتابه المعروف سبعة أنماط من الغموض (Seven Types of Ambiguity) الذي نشره عام 1930م، حيث عرّف الغموض بقوله: كل ما يســمح لعدد من ردود الفعــل الاختيارية إزاء قطعة لغوية واحدة"

   و يحدد امبسون قيدا للغموض يوحي بتوارد خواطره مع خواطر الجرجاني في مراعاة النحو معبرا عنه بالمعيار اللغوي حين ذهب إلى أن ما يستحق أن يوصف بأنه غامض ينبغي أن يخضع لمعيار لغوي و يتمثل ذلك في وجود كلمة أو تركيب نحوي يفهم منه أكثر من معنى في آن واحد .  

لقد بين عبد القاهر الجرجاني أهمية الغموض وعناصره، وفرق بين الغموض والتعقيد السلبي الناشئ عن الضعف والركاكة وسوء الفهم، كما أبرز الفرق بين الغموض والوضوح، إذ إن سمة الغموض ركيزة أساسية للعمل الابداعي.

   ولذا فقد عد الجرجاني سوء النظم والتأليف وانغلاق الكلام سبباً من أسباب التناهي في الغموض إلى درجة التعقيد، يقول: "واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات".

   ويكشف هذا الموقف للجرجاني عن إدراكه لأهمية الغموض في بنية النص الابداعي، فهو جوهره وأساسه. فالغموض هو الذي يثير الدهشة والاستفزاز للمتلقي، ويجعل من النص الابداعي نصاً ابداعياً. ومن هنا، فإن الجرجاني لا يعارض الوضوح والقرب في المعاني الأدبية شريطة أن لا يصل هذا الوضوح إلى حد السطحية والركاكة والضعف مما يبعد النص الابداعي عن جوهره وإثارته للمتلقي. فالنص الذي تتعدد وجوه التأويل فيه، ويستفز القارئ إلى بذل الجهد في المتابعة والتفكير هو النص الابداعي الأصيل. كما أن وضوح النص في ظاهره، وفي قراءة القارئ الأولية له لا يعني الوضوح السطحي، فقد يبدو القول التالي: (كالبدر أفرط في العلو) سهلاً وبسيطاً، بيد أن المتفحص لهذا التشبيه يخرج إلى معاني أخرى إضافية تحتاج إلى التفكير والدقة. يقول الجرجاني: "هذا- وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفاً، فإن المعاني الشريفة اللطيفة لا بد فيها من بناء ثان على أول، ورد تال إلى سابق. أفلست تحتاج في الوقوف على الغرض من قوله: "كالبدر أفرط منه ووجه المجاز في كونه دانياً شاسعاً وترقم ذلك في قلبك ثم تعود إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر ثم تقابل إحدى الصورتين بالأخرى وترد البصر من هذه إلى تلك وتنظر إليه كيف شرط في العلو الإفراط ليشاكل قوله "شاسع" لأن الشسوع هو الشديد من البعد ثم قابله بما لا يشاكله من مراعاة التناهي في القرب فقال "جد قريب". فهذا هو الذي أردت بالحاجة إلى الفكر، وبأن المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه واجتهاد في نيله".

   فمجال الغموض إذن عند عبدالقاهر الجرجاني يكمن في المستوى الفني للعمل الابداعي المتمثل في ضروب البلاغة المختلفة مثل الكناية والمجاز والاستعارة والتشبيه ثم في الصورة والصياغة. يقول "قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح والتعريض أوقع من التصريح. وأن للاستعارة مزية وفضلاً. وأن المجاز أبداً أبلغ من الحقيقة". وهذا الفهم هو ما عبر عنه الجرجاني في موقع آخر من كتابه دلائل الإعجاز ليسميه بمعنى المعنى وهو المستوى الفني الذي يقع فيه الغموض. يقول: "وإذ قد عرفت هذه الجملة فها هنا عبارة مختصرة وهي أن نقول المعنى ومعنى المعنى تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر".

   وقد استخدم الجرجاني ألفاظاً تعبر عن المستوى الفني للعمل الابداعي، وهي أقل سلبية في ظاهرها الخارجي من لفظة الغموض التي تعكس معنى سلبياً للوهلة الأولى. وهذا يشكل حرص عبد القاهر الجرجاني، وإدراكه لأهمية الغموض بمرادفاته المختلفة في العمل الابداعي، ولا سيما في النصوص الشعرية.

   ولذا فقد استعمل الجرجاني مصطلح الغرابة ليشير إلى الغموض الفني في العمل الابداعي. يقول: "والمعنى الجامع في سبب الغرابة أن يكون الشبه المقصود من الشيء مما لا ينزع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يشبهه بل بعد تثبت وتذكر وفكر للنفس في الصور التي تعرفها وتحريك الوهم في استعراض ذلك واستحضار ما غاب منه".

   كما أشار الجرجاني إلى مرادفات أخرى للغموض مثل التعقيد غير المقصود، والتعمية، وهذا ما يكسب العمل الابداعي قوة وخصوصية فنية، وأما إذا كان التعقيد والتعمية مقصودان لذاتهما فإن ذلك يفقد العمل الفني خصوصيته، ويبعده عن جوهره. يقول: "وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدم المطالبة من النفس به، فإن قلت فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمد ما يكسب المعنى غموضاً مشرفاً له وزائداً في فضله، وهذا خلاف ما عليه الناس. ألا تراهم قالوا: إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك، فالجواب إني لم أرد هذا الحد من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله: فإن المسك بعض دم الغزال".

    الغموض عند عبد القاهر يمنح النص حياة وقوة ويجعله نصاً ابداعياً متجدداً عند متلقيه. ويكمن هذا التجدد منانزياح الكلام في النص عن ظاهر اللفظ، وهذا ما يستفز المتلقي إلى إمعان النظر في النص، وإدراك أسراره وصوره وإيحآءاته، فالانزياح في النص الابداعي هو مجال الغموض، ويتمثل هذا الغموض والانزياح في المجاز وضروبه البلاغية، يقول: "اعلم أن الكلام الفصيح ينقسم قسمين قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى اللفظة، وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم. فالقسم الأول الكناية والاستعارة والتمثيل الكائن على حد الاستعارة وكل ما كان فيه على الجملة مجاز واتساع وعدول باللفظ عن الظاهر، فما من ضرب من هذه الضروب إلا وهو إذا وقع على الصواب وعلى ما ينبغي أوجب الفضل والمزية"

   و يبين الجرجاني قيمة الغموض فيقول : "ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه من النفس أجلى وألطف، وكانت به أضن وأشغف" .

  ويدفع سوء الفهم المبني على القول باللازم فيستدرك و يقول :  فإن قلت فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية وتعمد ما يكسب المعنى غموضاً مشرفاً له وزائداً في فضله ، وهذا خلاف ما عليه الناس. ألا تراهم قالوا: إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك، فالجواب إني لم أرد هذا الحد من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في نحو قوله: فإن المسك بعض دم الغزال".

   الجرجاني و المتلقي :

   المتلقي يحتل مساحة مهمة ومركزية في العملية الابداعية، ويعد المتلقي محاوراً رئيساً للنص الابداعي، بل ومشاركاً في إعادة انتاجه وخلقه. فالعملية الابداعية لا تتم إلا من خلال أركانها الثلاثة وهي: المبدع والنص والمتلقي.

   فالمتلقي يقوم بدور هام ورئيسي في العملية الابداعية، ولعل دوره يكمن في إعادة تفكيك النص وانتاجه مرة أخرى، وذلك لأن النص الأدبي مثقل بالدلالات والإيحاءات والرموز والصور. فالطاقة الفنية تجعل النص غامضاً، بحيث يطرح النص الابداعي بسبب غموضه إمكانيات متعددة، واحتمالات مختلفة للتأويل والتفسير. فالغموض الذي يواجه المتلقي ناشئ عن اهتزاز الصورة الثابتة لعلاقة الدال بالمدلول، بحيث تصبح للكلمات والتعابير دلالات جديدة متشابكة مع غيرها في النص الابداعي، وذلك على خلاف ما كانت تعبر عنه من معاني وأسماء قبل دخولها في النص الابداعي. فلهذه المعاني والتعابير دلالات محددة في نفس القارئ، بيد أن دخول هذه الكلمات والتعابير ضمن صياغة جديدة في النص الابداعي يكسر طبيعة النمط المألوف لهذه الكلمات في نفس المتلقي، وتصبح لهذه الكلمات والتعابير ضمن جسد النص الابداعي أكثر من معنى وصورة ودلالة.

   وضمن هذا الفهم لأهمية الغموض وعلاقته بالمتلقي، فقد ربط عبدالقاهر الجرجاني النص الابداعي بالمتلقي، مبيناً دور النص المثقل بالدلالات المجازية، في شد المتلقي واستفزازه من خلال علاقة الحوار والمشاركة بين النص والمتلقي، فالغموض ناشئ عن الدلالات المجازية، والتجاوز للمألوف في التعبير والإيحاء والصورة، وبهذا يقع المتلقي في دائرة التأويل والتفسير، ويصبح مشاركاً فاعلاً في خلق النص وإعادة إنتاجه مما يفرض حالة من الإرهاق الفكري والنفسي على المتلقي. يقول الجرجاني بهذا الخصوص: "هذا –وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله فهل تشك في أن الشاعر الذي أداه إليك، ونشر بزه لديك، قد تحمل فيه المشقة الشديدة، وقطع إليه الشقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى دره حتى غاص، وأنه لم ينل المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص؟ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل في أصله إلا بعد التعب، ولم يدرك إلا باحتمال النصب، كان للعلم بذلك من أمره من الدعاء إلى تعظيمه، وأخذ الناس بتفخيمه، ما يكون لمباشرة الجهد فيه، وملاقاة الكرب دونه، وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب لم تخرجك سهولة وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كد الطالب، وحمل المتاعب، حتى إن لم تكن فيك طبيعة من الجود تتحكم عليك….".

   ولعل هذا الاستفزاز للمتلقي لا يتم إلا من خلال غموض النص الابداعي، فالغموض هو جوهر الشعر وأساسه، كما أن الغموض ناشئ عن التنافر بين أجزاء الصور والتشبيهات والاستعارات، وهذا التنافر والتباعد يحدث اهتزازاً في مخيلة المتلقي وفكره للصورة الأولى للكلمات والتعابير قبل دخولها صناعة الشعر وابداعه، مما يدفع المتلقي إلى دائرة التأويل،

   و لنعقد مقابلة بين مفهوم الجرجاني للغموض و فكرة الانزياح لدى المحدثين.

لقد ذهب جل النقاد الأسلوبيين، وعلى رأسهم الناقد الفرنسي "جون كوهن" إلى كشف ملامح الاختلاف بين الأساليب بدءاً بمدى انحراف الكتّاب عن النمط المألوف، والطقوس المتداولة في الكتابة في سياق نصوصهم الإبداعية؛ إذ ((الأسلوب هو كل ما ليس شائعاً ولا عادياً ولا مطابقاً للمعيار المألوف... إنه انزياح بالنسبة لمعيار، أي إنه خطأ ولكنه خطأ مقصود))، ومحمود تنزع النفس إليه مادام يحمل جمالاً فنياً.‏

   فالانزياح في المفهوم الأسلوبي هو قدرة المبدع على انتهاك واختراق المتناول المألوف، سواء أكان هذا الاختراق صوتياً أم صرفياً أم نحوياً أم معجمياً أم دلالياً؛ ومن ثم يحقق النص انزياحاً بالنسبة إلى معيار متواضَعٍ عليه، لذا تبقى اللغة الإبداعية هي التي تسمح بهذه الخلخلات اللغوية ضمن النصوص بحملها من النفعية البلاغية إلى الفنية الجمالية؛ وهذا كله وفقاً لأفكار وتداعيات خاصة، في إطار أمنية ومواقف محددة تمليها طبيعة المواضيع المتناولة في ضمن النصوص، حيث ((أنه من غير المجدي حصر الكلام في تكرار جمل جاهزة، كل واحد يستعمل اللغة لأجل التعبير عن فكرة خاصة في لحظة معينة، يستلزم ذلك حرية الكلام)) وإذا كان الإبلاغ و التواصل هما الهدف العام للغة فالجمالية والتأثير غايتا اللغة الفنية الأدبية.‏

   إن جمالية الانزياح عندما تخلق اللغة الإبداعية هوامش رحبة، على حساب اللغة المعجمية وانطلاقاً منها، ففيها يتأتى للقارئ الإقبال على العمل الفني، وتذوقه ومدارسته ومحاورته، بشغف ونهمٍ كبيرين، إلى درجة الاستمتاع والإثارة والاقتناع به فنياً وجمالياً.‏

 



أضف تعليقا