علوم اللسان العربي

مذاكرات الإخوان

ممارسة وظائف اللغة عند كتابة البحث العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيــرا

 

عملية التواصل ووظائف اللغة عند جاكبسون*

عملية التواصل عند جاكبسون تتألف من ستة عناصر ترتبط بكل منها وظيفة رئيسة للغة، وكان للغة نتيجة لهذا ست وظائف رئيسة يرتبط كل منها بعنصر معين، وهي على النحو التالي:‏

1 ـ المرسل أو المتكلم أو الباث: وتتعلق به الوظيفة الانفعالية، أو الانطباعية التأثرية، لأن المرسل حين يبث رسالته لا يبثها بموضوعية مطلقة، فلابد أن تحمل بصماته وشيئاً من انفعالاته، ولهذه الوظيفة صلة بعلاقات المرسل بالرسالة وقدرته على إبلاغها.‏

2 ـ المرسل إليه أو المخاطب أو المتلقي: وتتعلق به وبموقفه النفسي والخلقي الوظيفة الإفهامية أو الندائية وتعود إلى علاقته بالرسالة موضوع الكلام.‏

3 ـ الرسالة: وتتعلق بها الوظيفة الشعرية أو الإنشائية أو الخطابية، وتشير إلى قيمة الرسالة ذاتها والاستعمال الفني للغة فيها، وعند جاكبسون أن الكلام يصبح كلاماً أدبياً حين تكون الرسالة فيه وسيلة وغاية في الوقت نفسه.‏

4 ـ القناة التي تمر بها الرسالة، وتتعلق بها الوظيفة الانتباهية أو الاتصالية، ويعنى بها ما يبذله المتكلم من جهود، وما يستخدمه من وسائل لإبلاغ الرسالة كالكلام الذي لا يحمل طاقة إخبارية، ولا يضيف شيئاً جديداً للرسالة، والغاية منه التحقق من استمرار عملية التواصل كقولنا مثلاً. فهمت؟.. كيف عرفت؟...‏

5 ـ السياق ويقصد به سياق الرسالة اللغوية، وتتعلق به الوظيفة المرجعية أو الإحالية أو الدلالية، وهي التي تحدد العلاقات بين الرسالة والموضوع الذي تدل عليه.‏

6 ـ السنة، وقد تسمى النمطية، وتتعلق بها الوظيفة فوق اللغوية، أو الوظيفة المعجمية في بعض الدراسات، وتعود إلى العلاقات اللغوية نفسها، وإلى قابلية النص للصياغة الصورية أو قابليته ليصبح مدونة. وتبدو هذه الوظيفة حين تتحدث اللغة عن نفسها، كما في النقد الأدبي، فالنص الأدبي لغة، والنقد كلام عن اللغة فهذا ما وراء اللغة، وحين ننقد النقد تصبح هناك وظيفة وما وراء اللغة من درجة ثانية، وهذه الوظيفة فجرت أبحاثاً هامة هي أبحاث ما وراء اللغة.‏

ونلاحظ في الوظائف أن جاكبسون اعتنى بالوجه الشخصي للتواصل وعلاقة المرء بذاته، وهو الجانب الذي أهملته ـ على ما يرى ـ البحوث اللغوية واعتنت بالوجه الذي يتعلق بالآخرين وهو الذي يبدو أكثر من غيره، ويتصل بهذا أن جاكبسون أولى أهمية خاصة للكلام الداخلي وعده عنصراً أساسياً من عناصر الشبكة اللغوية .‏

والنتيجة الحتمية التي انتهى إليها جاكبسون هي أن الوظائف الستة المذكورة موجودة في كل عملية كلام، وهي وظائف رتبوية بمعنى أن لها مراتب مترابطة بحيث أن كل وظيفة تخضع لغيرها، ثم أن درجات ظهورها متفاوتة في عمليات الكلام وأنماطه المختلفة فقد تطغى وظيفة في كلام معين، وتطغى غيرها في كلام آخر، فالكلام العادي مثلاً تطغى فيه الوظيفة الإفهامية، وفي الأدب الوجداني تطغى الوظيفة الانطباعية وفي الكلام الأدبي بعامة تطغى الوظيفة الإنشائية، ونلح هنا على هذه العبارة الأخيرة لنقول أن الأدب هو الذي تكون فيه الرسالة غاية في حد ذاتها، الأمر الذي يلح عليه تيار الإنشائية في النقد الأدبي الحديث، والذي يعد جاكبسون واحداً من أبرز أعلامه، ومن المفيد أن نذكر هنا أن الإنشائيين بعامة لا يأخذون بمبدأ الفصل بين كلام عادي وآخر أدبي، فكل ما في الأمر عندهم طغيان وظيفة على أخرى على نحو ما ذكرت، ويصطبغ الكلام عند ذلك بصبغتها، وقد ذكر جاكبسون أن من بين المهام الأكثر إلحاحاً والأكثر خصوبة في علم العلامات التحليل المقارن للبنى المحددة بتثبيت مركز على الرسالة(الوظيفة الفنية).‏

   ونحن إذا ما أردنا أن نسقط أو نستشف هذه الوظائف التي تؤديها اللغة أثناء ممارستنا للبحث العلمي و كتابته ، باعتباره لغة مكتوبة ، و تواصلا غير مباشرة ؛ وجدنا أنفسنا ننتقل من وظيفة لأخرى حسب طبيعة البحث و مراحله و أجزائه و عناصره ، و قد تطغى وظيفة ما في عنصر المقدمة بينما تخفت في صلب الموضوع لتفرض وظيفة أخرى نفسها ، و هكذا بالنسبة إلى الخاتمة و حتى العنوان و الإحالة و التهميش إذا ما اعتبرنا الكل كلاما مكتوبا لا خلو من وظيفة . فما هي وظائف اللغة في عناصر البحث ؟؟؟؟؟

   1ـ العنوان : في البحث العلمي العنوان يكون إخباريا لا إنشائيا بخلاف المقال فقد يكون إنشائيا ، و عليه فالوظيفة الانتباهية / الاتصالية تفرض نفسها ؛ فالعنوان يحمل طاقة إخبارية ، ولا يظيف شيئا جديدا للرسالة ، و الغاية منه التحقق من عملية التواصل ليس إلا ؛ و لذلك يشترط فيه الدقة و الوضوح .

   2ـ المقدمة : هي الأخرى يشترط فيها التدقيق و التوضيح ، و لا ينبغي فيها ذكر شيء إلا و له علاقة بموضوع البحث ، و عليه فالوظيفة الانتباهية / الاتصالية أيضا حاضرة بقوة هنا ؛ إذ تؤمن للباحث انطلاقة سليمة ، كما تيسر له سبيل إنهائه في الآجال المحددة .

   3ـ العرض : و هو صلب الموضوع ، و فيه تظهر شخصية الباحث ، و هنا لا بد من حضور وظائف أخرى ؛ فإلى جانب الوظيفة الانتباهية / الاتصالية ( خاصة في الإحالة و التهميش ) نجد الوظيفة الإفهامية / الندائية التي تعود إلى علاقة المرسل ( الباحث ) بالرسالة موضع الكلام (البحث هنا ) و تتعلق بموقفه النفسي/ الخلقي.

   كذلك نجد الوظيفة الانفعالية / الانطباعية / التأثرية ؛ لأن المرسل ( الباحث ) حين يبث رسالته ( موضوع بحثه ) لا يبثها ـ أي الرسالة ـ بموضوعية مطلقة ؛ و لا بد أن تحمل بصماته و شيئا من انفعالاته ، و كل كلام يبرز إلا و عليه حلة القلب الذي منه برز ، و لهذه الوظيفة صلة بمدى ارتباط المرسل برسالته و قدرته على إبلاغها .

   نجد أيضا في العرض الوظيفة الشعرية / الإنشائية / الخطابية ، و التي تشير إلى قيمة الرسالة ذاتها ( ركيزة الأسلوب ) و يقصد بها الاستعمال الفني للغة ، و تتجلى حين تكون الرسالة وسيلة و غاية في الوقت نفسه .

   و نضيف هنا بالنسبة لعلاقة المتن بالإحالة و التهميش عنصر السياق في عملية التواصل بين المــــــــــلقي ( الباحث ) و الملتقي ( المطلع على البحث ) ؛ و تتعلق بعنصر سياق الرسالة اللغوية الوظيفة المرجعية أو الإحالة الدلالية ، و هي التي تحدد العلاقة بين الرسالة و الموضوع الذي تدل عليه .

   4ـ الخاتمة : هي الحوصلة و آخر ما يقرأ في البحث ؛ و عليه فالباحث حريص على حضور كل وظائف اللغة بنسب متفاوتة مع طغيان الوظيفة الانتباهية / الاتصالية .

    و نشير في الأخير إلى الوظيفة فوق اللغوية / المعجمية ، و تعود إلى العلاقات اللغوية نفسها و إلى قابلية النص للصياغة الصورية ؛ كي يصبح مدونة ، و تبدو هذه الوظيفة حين تتحدث اللغة عن نفسها أو عند اسقاط المدونة على الرسالة في اصطلاح جاكبسون الذي نظر إلى ظاهرة اللغة بوصفها مدونة معجمية و ظاهرة الكلام بوصفها عبارة عن مقولة تنقل بها رسالة ما ، و لعل هذه الوظيفة تتجلى في انجاز البحث بصيغته النهائية على اعتبار أن الكتابة تمثيل للمنطوق ( الكلام ) بل الكنابة ( القلم ) أطول عنانا من اللسان ، و إفضاء اللسان أحرج من إفضاء القلم كما يقول التوحيدي أبو حيان في الإمتاع و المؤانسة .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  *ـ مقال بعنوان : رومَان جاكبسون العَالم اللسّاني ـــ عبد الفتاح المصري

       مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 120 نيسان 1981

 ملاحظة : استعملت عبارات مثل(الانتباهية / الاتصالية ) مراعاة للاختلاف .



أضف تعليقا