إذا كان التطوّر هو سمة التفكير العلمي ، فإنّ العلوم الإنسانيّة لم تكن بمنأى عنه . وكان لابد من علم وسيط يمثّل ثمرة مزاوجةٍ بين هذا وتلك . فإن كان من مقتضيات التفكير الحديث وطبيعة منهجه أن يصطلح العقل البشري على تسمية هذا العلم بـ (Linguistics )، فإن القدماء، كلّ القدماء الذين جعلوا اللغة مدار حديثهم ، كانوا المستند والمتّكأ الذي مهّد لظهور هذا العلم وإعطائه روحه.
فمن حقّ الشعوب علينا إذن ، أن نذكر أنّ الحضارة ليست إلا سلسلة من حلقات متنوعة ، قد تتّسع وتضيق . وفي كل الأحوال فقد كان لنا فيها نصيب . وإذ نقول كان ، فهذا يعني أن التراث هو منطلق بحثنا من دون إلغاء دور الحاضر ، بما أنّ الهدف هو استشراف الماضي وفق معطيات هذا الحاضر . وإذا كان المفكرّون الغربيون – وهم الآن في أوج تقدمّهم الفكريّ – يعودون مرةً أخرى إلى نشر تراثهم اللاتيني ، فما أحرانا نحن أن نعود إلى تراثنا كما عادوا هم إليه في وقت من الأوقات وبهذا فإننا لا نحاول أن نتعّسف في استنطاق هذا التراث ، أو نقسره على الدخول في نطاق العصر ، بل العكس فإنّ معطيات العصر هي التي فرضت علينا استقراءه ، وحّق الواجب علينا حينئذ إبراز القاسم المشترك بينهما . ولا بأس أن نتمثل مقولة للشاعر و الناقد الفلسطيني [فيصل قرقطي] مفادها: ((أننا نستطيع بناء حداثتنا على موروثنا الثقافي والإبداعي عموما في معظم المجالات على اعتبار أن الرؤى تتطور مع الزمن ، والإبداع الحقيقي يسبق عصره ، وأعتقد جازما أن أجدادنا الضالعين في المعرفة والأدب ، الذين خلفوا لنا الكنوز هي ذاتها الكنوز التي اتكأت عليها المعارف والعلوم الغريبة التي طوَرت وتطورت مناهجها إلى الحداثة ، وما بعد الحداثة أيضا . فلماذا لا نعود إلى النبع من بدايات مصبه بدل أن نتبع الفروع ، التي نقدر عطاءها وقيمتها عاليا ؟!
وحتى ذلك الحين ستظل المعركة دائرة ، ولن تحسم لطرف من الأطراف ، إلا بتوافق الطرفين على منهجية بحث هدفها تخليد القديم وإعادة قراءته على نحو جديد وبرهنة الحداثة لذاتها وبذاتها أيضا في تماهيها مع الواقع ))
في ضوء ما تقدّم يأتي بحثنا هذا في محاولةٍ منا لاستجلاء جانب لم يوفَّ حقّه ، سواء من حيث هو جزء من تراث الفكر اللغوي العالمي ، أو من حيث هو فكر علمٍ من أعلام العرب الماضين.
لقد أولى العرب اللغة العربية اهتمامهم، فقدموا ملاحظات قيمة حولها، بحيث إن العودة إلى النصوص التراثية و تفحصها تظهر مجهوداتهم في مجال دراسة اللغة و تحليلها و لمّ شتاتـــــها و استنباط أحكامها، و كيفية اكتسابها و تلقينها.
و على الرغم من اتسام كتبهم بالموسوعيّـة، فإنك تجد أرآءهم اللسانية و التربوية متنــاثرة هنا و هناك بين طيات كتبهم ، و هذه الأرآء يمكن اعتبارها متطـورة بالنسبة إلى زمـانهم و زماننا هذا ، إن قرأناها قرآءة موضوعية معاصرة ، تتوخاها الدقـّة و الحذر، بهدف التأسيس لدراساتنا اللسانية ، و لن يتأتى هذا إلا بالاستفادة من التراث بعد غربلته ، و كذا تنقيح الحديث الوافد إلينا من الغرب ، و عدم الإقبال عليه بعيون مغمضة .
و نظرا إلى صعوبة فك شفرات نصوص بأهمية النصوص التراثية، فإننا نكتفي بتسليط الضوء على كتاب " الإمتاع و المؤانسة " لأبي حيان التوحيدي ، و لأنه كتاب موسوعي فإننا لا نستطيع الإلمام به من كل الجوانب و معرفة صدى كل صوت فيه ، نكتفي بقرآءته قرآءة لسانية تربوية معاصرة ، نمد من خلالها جسور التواصل بين القديم و الحديث، ولعلنا بهذا نحسن إلى أبي حيان التوحيدي ، بعد أن أساء إليه الزمان ،و أخمد اسمه بعد مماته .
التعريف بالتوحيدي:
أبو حيان التوحيدي هو علي بن محمد العباس الملقب بالتوحيدي ولد حوالي 312 هـ بنيسابور أو شيراز ، توفي سنة 414 هـ بشيراز ، و قد أتيح له أن يتصل بآكابر علماء عصره مما أكسبه ثقافة موسوعية ، حيث درس النحو و الأدب على أبي سعيد السيرافي ، و درس الفلسفة و المنطق على عالمين عظيمين هما يحيى بن عدي و أبو سليمان المنطقي السجستاني ، و تلقى التوحيدي الفقه على إمام الفقه القاضي أبي حامد المرورذي، وهو بذلك من أؤلئك الذين أخذوا من كل علم بطرف ، فكان أديبا و شاعرا و فيلسوفا ، فضلا عن كونه عالما و طبيعيا و صوفيا ، و قد ترك في كل ميدان من هذه الميادين آثارا كبيرة و جليلة منها : الإمتاع و المؤانسة ، الهوامل و الشوامل ، الصــداقة و الصـّديق ، الإشارات الإلهية ، الأنفاس الروحانية ، بصائر القدماء و سرائر الحكماء ، رسالة الإمامة ، رسالة الحياة ، رسالة في علم الكتابة …
و على الرغم من علمه و أدبه و ذكائه فإن المقادير حكمت عليه بالشقاء ، و لعل أشد بواعث شقائه أنه نزّاع إلى تحقيق رغباته ، إلا أن القدر الساخر قد عمل على إزعاجه ، فنغص عليه ما يرغب و يشتهي ، و أعجزه عن تحقيق أمانيه ، و قد احترف مهنة الوراقة و التي يدعوها بحرفة الشؤم، و هي مهنة شاقة في القرن الرابع الهجري، و كان العالم إذا لم يجد ما يقتات به اشتغل بنسخ الكتب و تجليدها، و قد سخط التوحيدي على هذه المهنة لضــآلة موردها، و قلة جدواها، فضلا على ذلك فإنها تذهب العمر و البصر.
إذن التوحيدي مثال حي لوضع المثقف السيئ، و اضطراره في سبيل كسب قوته إلى إراقة ماء الوجه، و بيع الدين بالدنيا، على حد عبارته، و الدرب الذي يخرجه من هذا الوضع هو التقرب من الخاصة، فقد وصله صديقه أبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى البوزجاني الرياضي الشهير بالوزير العارض و الذي أجلسه مجلسه، فسامره التوحيدي عدة ليال، و قد دون التوحيدي كل ما دار من أحاديث في كتاب "الإمتاع و المؤانسة".
التعريف بالكتاب:
يتضمن كتاب " الإمتاع و المؤانسة" مســامرات و أحـاديث و ضروب من التفاوض و المثاقفة و المناظرة الأدبية و اللغوية و العلمية و الفنية و الفلسفية و الروحانية و الديــنية و السياسية والاجتماعية ، سامر بها التوحيدي وزيرا من وزراء بني بويه ، هو الوزير بن العارض ، و أعاد التوحيدي إنتاجها كتابة بعد أن كانت مادة شفوية ، و أرسلها إلى صديقه وولي نعمته أبي الوفاء محمد بن محمد بن يحيى البوزجاني .
يقسم التوحيدي فصول كتابه على نسق " ألف ليلة و ليلة "، بيد أن موضوعات الإمتاع والمؤانسة عقلية و واقعية، في حين أن موضوعات " ألف ليلة و ليلة " قصصية خيــالية، و كل فصل من فصول " الإمتاع و المؤانسة "يحمل رقم ليلة ، و تتوالى الليالي حتى تبلغ الأربعين موزعة على ثلاثة أجزاء ، و قد درج ابن العارض في نهاية كل جلسة على طلب ملحة الوداع.و هي عادة أبيات من الشعر ، أو حكمة مأثورة ، أو عظة خلقية.
إن ذكر كل ما دار في كل ليلة من حديث و حوار يجعل الكتاب نصا حيا، يحمل رسالة سواء أكانت لغوية أم أدبية أم دينية ، أم فلسفية أم سياسية … تتفاعل فيها الأصوات و تتعدد بدءا بصوت التوحيدي و الوزيرين العارض ، إلى أصوات الوزراء و العلمـاء و الفقـهاء و الفلاسفة و العـامة و الخدم و الجواري … حيث إن التوحيدي يجلسك في كل مرة مجلسا متميزا فيســامرك و يمتعك و يؤنسك كما سامر و أمتع و آنس الوزير بن العارض ، مستعملا أسلوبا شيقا لا يضجر منه فهو " جذاب ممتع يملك على القارئ مشاعره بسلاسته و عذوبة ألفاظه و موسيقاه ، و تمكن صاحبه من ناصية اللغة ، سجع غير متكلف و ازدواج يقتضيه المعني ، فإن خلا منهما فلا يخلو من جمال ، فتطول الجملة إلى أن تبلغ الصفحة ، فلا تحس بذلك لتآلف أجزائها و وضوح معالمها ". بل يسلبك بلغته وحدة ذكائه و حضور بديــهته و تشعب ثقافته ،
و يعد هذا الكتاب مصدرا ثمينا لإبراز الحياة الفكرية و الاجتماعية في عصر بني بويه.
عنوان الكتاب :
يزاوج التوحيدي عنوان كتابه بين " الإمتاع و المؤانسة "و هذا يحيل على وجود قرينتين يتبادلان أطراف الحديث ، و بالحديث تتجدد الأفكار و المشاعر ، فتحدث الإفادة و المتعة ، فتضفي المتعة شعورا حميميا مشتركا بين الطرفين ، و تحدث المشاطرة بالمؤانسة عندما تزول بينهما كل الحواجز ، و يظهر هذا في عبارة التوحيدي " يتوكد الأنس، و ترتفع الحشمة و تستحكم الثقة و يقع الاسترسال و التشاور".
بعض الأفكار اللسانية الواردة في الكتاب :
أثناء قراءتنا لكتاب " الإمتاع و المؤانسة" وجدناه كتابا موسوعيا ، يشمل محاورات في عدة علوم من لغة وفقه و فلسفة ، و منطق و روحانيات و إلهيات و سياسة و حيوان … فاستمتعنا بقراءته و استفدنا منه ، ووجدنا بين صفحاته بعض الأفكار اللسانية كالدرر متناثرة هنا و هناك ، فحاولنا استنطاقها و ذلك بقراءتها قراءة معاصرة، و سنحصر هذه الأفكار في النقاط التالية :
1-المشافهة و الكتابة :
يقول التوحيدي " إذا كان الرجوع فيه إلى الكتب الموضوعة من أجله كافيا ، فليس ذلك مثل البحث عنه باللسان ، و أخذ الجواب عنه بالبيان ، و الكتاب موّات،و نصيب النّاظر فيه منظور و ليس كذلك المذاكرة ، و المناظرة و المواتاة ، فإن ما ينال من هذه أغص و أطـرأ و أهنأ و أمرأ " ، نحن هنا بصدد العلاقة بين المنطوق و المكتوب فالتوحيدي يعبر عن المنطوق بالمذاكرة و المناظرة و يقابل الكتابة بالكتاب ، و هنا نتساءل : لماذا يعد الكلام الشفاهي " أغص و أطرأ و أهنأ و أمرأ " ؟.
لعل التوحيدي أدرك أن الكلام الشفاهي يخضع لحيوية المتكلم و لقابلية المستمع و تفاعله ، هذا أثناء المذاكرة و المناظرة ، في حين أن المكتوب " موّات" يفتقد الحيوية، فهو أشبه بالقبور التي تضم بين دفتيها أمواتا يفتقدون طراوة الحياة ، فضلا عن ذلك فإن الكتاب يفترض قراءة أحادية الجانب ، فالقارئ عندما تستغلق عليه المعاني يلجأ إلى التأويل ، و قد ينحرف عن المعنى المراد ، على خلاف الحديث الذي تنساق معه النفس ، و بذلك تتسع دائرة الإرسالـية و تزداد فرصة المتحدث في الإبداع ، كما تزداد فرصة المتحدث إليه في الفهم أكثر لأن المتحدث قريب منه يحدثه و يحادثه ، و يسهل على كل منهما الاستفسار عن الأمور التي تستغلق عليهما ، و بذلك يحدث تبادل الأدوار بين المتحدث و المتحدث إليه ، فتارة يصبح المتحدث متحدثا إليه ، و تارة أخرى يصبح المتحدث إليه متحدثا ، و تستمر قناة التواصل بينهما ماداما يستعملان نفس الشفرة اللغوية و يراعيان المقام و مقتضى الحال .
و هذا دال على تأثر التوحيدي بالمنهج الأفلاطوني و الحوار السيقراطي أثناء العملية التعليمية ، بحيث يحدث التصحيح الارتجاعي بين المعلم و المتعلم نتيجة تبادل الأدوار ، كأن يسأل المعلم و يجيب المتعلم أو يسأل المتعلم و يجيب المعلم عن تساؤلاته ، و يمثل التصحيح الارتجاعي قاعدة أساسية عند علماء التربية في مختلف المواد التعليمية ، للتحقق من مدى فهم المتعلم و استييعابه لما يقدم له ، و كسر جميع الحواجز بين المعلم و المتعلم ، و جعل المتعلم لا يخاف المواجهة ، و يعبر عن مواقفه و بذلك تنمى لديه الروح النقدية .
إذن توجد في الحديث رابطة مشتركة تجمع كل من المتحدث و المتحدث إليه بطريقة تفاعلية ، فيشاركان معا في بناء المعنى و الفكرة ، على عكس الكتابة .
كما سبق ذكره فإن التوحيدي يعبر عن المشافهة بـ " المناظرة و المذاكـرة والمواتـاة"، و المناظرة تنبهنا إلى المواجهة و المقابلة بين طرفين ، و يكونها اختبار إمكانات المتحدث المعرفية و الوجدانية و اللغوية ، و هي تقابل حديثا الامتحان ، في حين تنبهنا المذاكرة إلى دور الذاكرة و الحفظ من خلال عملية استرجاع الخبرات أثناء المناظرة أو استظهار المعلومات أثناء العملية التعليمية ، إذ أنه يتوجب على المناظر أو المتعلم ألا يحفظ حفظا ببغاويا دون فهم، بل عليه أن يتخير ما يحفظ ، و أن يعرف متى يستثمره و كيف يوظــفه و هذا حسب المقام والحاجة .
و قد أولى علماء التربية و علماء النفس الحفظ اهتمامهم و عدوه عاملا من أهم عوامل الذكاء و التعلم خاصة في المراحل الأولى ، و قد صنفه بلوم Bloom ضمن مستويات المجال المعرفي للأهداف التربوية ، فاعتبره أبسط سلوك في هذا المجال ، و تعد عملية التذكر أي عملية تذكر المعلومات و المعارف السابقة فرصة ينطلق منها المتعلم لتطوير معلوماته السابقة و لاكتساب معارف جديدة .و تنبهنا " المواتاة" إلى نوع من الحضور ، حضور المتحدث أو المتعلم أمام البصر أي أنه هناك ارتباط وثيق بين الصــوت و الرؤية و السمع ، و المواتاة كما جاء في لسان العرب"المطاوعة" و هي أن يطاوع السامـع المتكلم و يسايره في الحديث لأنه حاضر معه ويسمع صوته ، يراه ، يرى حركات شفتيه و ملامح وجهه و إشارات يديه. و هذا ما اعتبره الجاحظ جماع الدلالة الحقة في البيان و التبيين.
و بالنسبة للتوحيدي من زاوية الإنجاز فإن " الكتاب يتصفح أكثر من تصفح الخطاب لأن الكاتب مختار و المخاطب مضطر " فاللغة المكتوبة تسمح لصاحبها بحرية الاختيار أثناء الكتابة ، في حين أن فرصة الاختيار في اللغة الشفوية تتقلص ، ففي الكتابة يمكن للكاتب أن يختار لفظة على حساب لفظة أخرى ، و تفضيل معنى على معنى آخر ، أو التراجع عن جملة أو فكرة… على عكس التواصل الشفوي الذي لا يمكن للمخاطب فيه أن يتوقف برهة ليفكر فيها أو ليختار كلمة أو معنى …لأنه محدد بزمن و مقتضى حال … عليه احترامهما لإعطاء المستمع فرصة ليتواصل معه و يتحول إلى متكلم ، و هذا قصد الحفاظ على استمرارية العملية التواصلية ، بيد أن الكاتب لا يتقيد بمقتضى الحال لأن المتلقي منفصل عنه، وله متسع من الوقت لترتيب أفكاره و اختيار الدوال المناسبة.
و يفرق التوحيدي بن المنطوق و المكتوب من خلالالتقويم " و من يرد عليه كتابك فليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت و إنما ينظر أصبت أم أخطأت و أحسنت أم أسأت ". أي أنه أثناء إنجازك للفعل الكلامي الكتابي فإن المتلقي لا يعلم إن أسرعت أم أبطأت فيه ، و هذا على خلاف الفعل الكلامي الشفوي الذي يجب أن يحترم فيه الزمن و مقتضى الحال ، و لن يتحقق هذا إذا كان المخاطب بطئ الفهم أو به عيوب صوتية أو سمعية ، فتكون سيرورة التواصل بينه و بين المتلقي بطيئة.
و تختص الخطابات المكتوبة بوحدتي التقويم " الخطأ" و " الصواب" من حيث احترامها للكتابة و منطقها الذي تفرضه على منتجها ، و تقيدها برموز متفق عليها و احترامها لأصول اللغة و نظامها .
2- الخوض في الشيء بالقلم مخالف لإفاضة اللسان :
يفرق التوحيدي بين الإفضاء بالقلم و بين الإفضاء باللسان " فالقلم أطول عنانا من اللسان و إفضاء اللسان أحرج من إفضاء القلم ، و الغرض كله الإفادة " ، فالكاتب مختار يبني نصه لبنة لبنة و يعاود النظر فيما يكتب ، و يغير فيه و يبدل بحسب ما يعن له و تهديه إليه قريحته ، و في لحظة الكتابة يكون منفصلا عن متلقيه ، أي أنه غير مواجه له ، و هو بذلك يفضي بذاته براحة و اطمئنان دون حرج كبير ، كما أنه بمنجاة عن زلل الانفعال ، أما المفضي باللسان فإنه مضطر إلى الحديث على البديهة و الارتجال بحسب ما يسوقه إليه الحديث و مقتضيات الحال، علاوة على ذلك فإنه مجبر على الاستجابة الفورية ، و مواجهة المفضي إليه و مشاهدته ، لذلك كانت حاله أحرج من حال الكاتب ، فتبدو عليه علامات الحرج من تغير ملامح الوجه و تلونه أو تصبب العرق ، أو تحريك الرأس و اليدين … و هذه لمن أكبر المرهقات التي لا يعرفها الكاتب ، و في النهاية فإن هدف الإفضاء باللسان و الإفضاء بالقلم هو تحقيق الفائدة و التواصل .
و تعطى تعليمية اللغات من الجانب المنطوق من اللغة الأولوية ، و ذلك بالتركيز على الخطاب الشفوي ، لأن الظاهرة اللغوية في حقيقتها أصوات منطوقة قبل أن تكون حروفا مكتوبة ، فالخط تابع للفظ و ملحق به ، إذن فالتعليمة تحاول إكساب المتعلم مهارة التعبير الشفوي لأنه هو الطاغي عما سواه في الممارسة الفعلية للحدث اللغوي ، لأن الحديث عبارة عن رموز لغوية منطوقة تنقل أفكارنا و مشاعرنا و اتجاهاتنا إلى الآخرين. و قد أثبتت الدراسات أن المتلقي للحديث يفهمه بسرعة أكثر مما يفهم الكتابة فهو يصله مباشرة في اللحظة نفسها ، التي يتم إنتاجه فيها ، على عكس الكتابة التي تتوجه إلى متلق مؤجل .
و تأتي مهارة الكتابة بعد مهارة الاستماع و الحديث و السؤال و القراءة ، و هي فرع من فروع اللغة و وسيلة للتبليغ و لحفظ اللغة و المواثيق و نقل التراث الحضاري ، زيادة على هذا، فإنها وسيلة أساسية للتعلم ، فالمتعلم لا يستطيع النجاح في مساره الدراسي إذ لم يتمكن من ترجمة أفكاره إلى رموز أو تحويل المنطوق و المسموع إلى مكتوب .
3- وظيفة اللغة :
الفهم و الإفهام وظيفتان أساسيتان عند التوحيدي ، و هذا لتحقيق التواصل ، و هذه الوظيفة مرتبطة بالمخاطب و المستمع على حد سواء ، و تعد معرفة اللغة ضرورة أساسية للإفهام ، إذ يقول" كذلك الشأن بالنسبة لمعرفة النحو ، فإن الكلام يتغير المراد فيه بإختلاف الإعراب ، كما يتغير الحكم فيه باختلاف الأسماء ، و كما يتغير المفهوم باختلاف الأفعال ، كما ينقلب المعنى باختلاف الحروف" و كان لزاما على المتواصل أن يستعمل الشفرة اللغوية التي يستعملها المستمع ، و بالنسبة للتوحيدي يكون الإفهام على مراتب ثلاث :
فالمرتبة الأولى تكون " أن يفهم المرء عن نفسه ما يقول " البنية العميقة و الملكة اللغوية.أي هي المرحلة التي يدرك فيها المرء المعنى و يعقله ، فيعبر عنه باللغة ،
أما المرتبة الثانية هي " أن يروم المرء أن يفهم غيره " ، و هذه المرتبة يمكن أن نسميها بمرتبة التواصل و الإبلاغ ، و فيها ينتقل المتكلم من ترتيب المعاني و إفهام نفسه إلى النشاط الفيزيولوجي، وهو إصدار أصوات تحمل رسالة يتلقاها المستمع ، و لا يمكن أن يفهم الإنسان غيره إلا إذا كانوا يستعملون نفس الشفرة اللغوية .
أما المرتبة الثالثة هي " فرش المعنى وتبسيط المراد ، فيتجلى اللفظ فيها بالروادف الموضحة ، و الأشباه المقربة و الاستعارات الممتعة " و هذه المرحلة يطلق عليها أبو حيان التوحيدي و غيره اسم البلاغة ، أي أنه على الرسالة أن تتضمن نوعا من الجمال و الإمتاع و هذا ما يعرف بالوظيفة الشعرية عند رومان جاكسون و يقصد جاكسون بالشعرية الاستعمال المميز للغة فهي تسقط مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف .
4- العجز الغوي :
يشير التوحيدي إلى الحالات التي يتعذر فيها التواصل بين متخاطبين و هي :
1ـ قد يكون السامع " ذا طبع قاصر" كأن يكون بطيء الفهم أو يعاني عيوبا سمعية وبذلك يكون التواصل بطيئا .
2ـ ففي بعض الحالات تجول بذهن الإنسان أفكار لكنه يجد صعوبة في تحويلها إلى صورة صوتية ، لأن المدلول أكبر حجما لدرجة أن الدال لا يمكنه احتواؤه " مركب اللفظ لا يجوز مبسوط العقل ، و المعاني معقولة ، و لها اتصال شديد و بساطة تامة ، و ليس في قوة اللفظ في أي لغة كانت أن يملك ذات المبسوط و يحيط به ، و ينصب عليه سورا "1، و من بين الموضوعات التي يعجز فيها الإنسان عن التعبير وصف الخالق " فالله الذي لا سبيل للعقل أن يدركه ، أو يحيط به أو يجده وجدانا أولى و أحرى أن يمسك عنه عجزا واستجداء ، تضاؤلا واستعفاء ، إلا بما وقع للإذن به من جهة صاحب الدين ... فعلى هذا قد وضح أن الصمت في هذا المكان أعود على صاحبه من النطق ، لأن الصمت عن المجهول أنفع من الجهل بالمعلوم".
5- الكلام :
الكلام عند التوحيدي هو الأداء الفردي للغة ، كما هو الحال عند دوسوسير ، و يتضح ذلك من خلال العبارات التالية :
- " أما السلامي فهو حلو الكلام "
- " له فنون في الكلام "
- " و قد فرع العباس بهذا الكلام باب العيب ".
6- اللغة :اللغة بوصفها أداء خاصا بأمة أو جماعة معينة و يتجلى ذلك في العبارات التالية :
- " كلغة أصحابنا العجم و الروم و الفرس و الهند و الترك ".
- " كما أن اللغات تكون فارسية و عربية و تركية ".
7- الكلام على الكلام :
يقول التوحيدي " إن الكلام على الكلام صعب " ، و هو ما يقابل في اللسانيات الحديثة الوظيفة الانعكاسية أو ما وراء اللغة métalangage أي التناول العلمي للكلام فندرس الكلام بالكلام ، و تمثل اللغة الواصفة و الشارحة للغة ، أي تكون اللغة نفسها مادة الدراســــة و المرجع الذي تدل عليه .
8- اختلاف اللغات :
يؤمن التوحيدي باختلاف المعاني باختلاف اللغات ، أي أن اللغات لا تتطابق إذ أن لغة الهند غير لغة الروم ... إلا أنهم مع هذه الأصول و القواعد تقاسموا أشياء بين الفطرة و بين التنبيه و بين الاختيار و التقدمة " القواعد الفطرية . و اللغات عنده قد تتقاطع و تتشابه في بعض البنى ، و يعبر عن ذلك بقوله " إن الأمم اشتركت في جميع الخيرات و الشرور و في جميع المعاني و الأمور اشتراكا أتى على أقل التفاوت و وسطه و آخره ، ثم استبدت كل أمة بقوالب ليست لأختها و اشتراكهم فيها كالأصول و استبدادهم كالفروع "، فالبنى المشتركة بين اللغات تعرف بالكليات اللغوية Les universaux linguistiques و تقوم فكرة الاختلاف بين اللغات على أن الأمم تنطلق من موروثاتها الحضارية و الثقافية و هي بذلك منطلق إنتاجها للمعاني من ناحية و استيعابها من ناحية أخرى .
و الجدير بالذكر أنه منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي ظهرت بوادر حركة قوية في ميدان تعليم اللغات الأجنبية كان من روادها لادوفريز R.Lado.Freize و تؤكد هذه الحركة على ضرورة إجراء الدراسات التقابلية linguistique contrastive بين لغتين بهدف
1ـ التنبؤ بالمشكلات التي تواجه متعلم لغة أجنبية و ذلك بعد حصر أوجه التشابه و الاختلاف بين اللغة الأم و اللغة الأجنبية ، و تكون العناصر المتماثلة بين اللغتين يسيرة التعلم ، أما العناصر المختلفة فيعسر على المتعلم تعلمها .
2ـ يمكن التنبؤ بالمشكلات من خلال الفحص البنائي للغتين ، من تفسيرها و البحث عن الحلول لتذليلها ، أي الاحتياط لها مسبقا .
3ـ يمكننا التقابل اللغوي ، من معرفة ما يجب تقديمه و كذا تطوير المواد الدراسية لمواجهة هذه المشكلات .
9- الملكة اللغوية :
تقوم الملكة اللغوية عند أبي حيان التوحيدي على " غرائز أهل اللغة " ، حيث أن الإنسان يولد و هو مزود بقواعد وقوانين اللغة ، و هو أثناء ممارسته للحدث الكلامي غير واع بقوانين اللغة و إنما يهديه إلى ذلك الطبع .
بالإضافة إلى الغريزة فإن الملكة اللسانية تقوم كذلك على فكرة " المنشأ و الوراثــة" ، و يتجسد المنشأ في البيئة التي تربى فيها الإنسان بما في ذلك من أسرته و أفراد مجتمعه ، فكل هؤلاء يوفرون له حمـّاما لسانيا طبيعيا bain linguistiqueو هدا مايعرف بالانغماس اللغوي عند ابن خلدون ، و بعد أن يكتسب الإنسان اللغة من منشئه فإنه يصبح يستعملها بتلقائية و يتحكم فيها ، و بذلك تصبح ملكا عينيا خاصا به أي أنه يرثها .
و إن تعلم الإنسان للغة و معرفته لأسرارها و نواميسها و قواعدها يخرجه من " الفطرة إلى الفطنة " . إذ أنه يفتقد وضع التعامل التلقائي الفطري للغة ، بل يصبح على وعي بقواعدها و قوانينها و يصبح يتعامل معها تعاملا واعيا .
10- اللفظ و المعنى :
تقوم اللغة على عمودين هما اللفظ و المعنى، و يقر التوحيدي بأن الظاهرة اللسانية هي عملية ذهنية فيقول " الدماغ هو مركز النشاط اللغوي"، و يرى أن المعاني سابقة للألفاظ لأن " اللغة مبدؤها العقل و ممرها اللفظ و قرارها الخط" ، و بعد أن تتوضح الفكرة في ذهن صاحبها فإنه يترجمها إلى صورة صوتية منطوقة و مسموعة.
و من بين أهم الفروق بين اللفظ و المعنى التي وردت في كتاب الإمتاع و المؤانسة هي أن المعاني لا نهاية لها فيما الألفاظ محدودة ، و لهذا فمهما كثرت الألفاظ فإنها عاجزة عن الإحاطة بجميع المعاني ، و قد عبر عن ذلك على لسان السيرافي بقوله " إن مركب اللفظ لا يحوز مبسوط العقل ، و المعاني معقولة لها اتصال شديد و بساطة تامة، و ليس في قوة اللفظ من أي لغة كان أن يملك ذلك المبسوط يحيط به و ينصب عليه سورا ، و لا يدع شيئا من داخله أن يخرج ، و لا شيئا من خارجه أن يدخل" 2.كما أن المعاني إنسانية لأنها نتاج التجربة الإنسانية في كل مكان و زمان ، فيما الألفاظ تابعة لمجموعات بشرية ذات لغات معينة , أي أن الألفاظ حبيسة لغاتها و لا يمكنها أن تتعداها، "و المعاني لا تكون يونانية و لا هندية ، كما أ